ابن قيم الجوزية

402

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهذا من موجباته وآثاره ، لأنه حقيقته . وقيل : هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبب ، حتى يكون الحق هو المتولي لذلك . وهذا صحيح من وجه ، باطل من وجه . فترك الأسباب المأمور بها : قادح في التوكل . وقد تولى الحق إيصال العبد بها . وأما ترك الأسباب المباحة : فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح ، وإلا فهو مذموم . وقيل : هو إلقاء النفس في العبودية ، وإخراجها من الربوبية . يريد : استرسالها مع الأمر ، وبراءتها من حولها وقوتها ، وشهود ذلك بها . بل بالرب وحده . ومنهم : من قال : التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه . ومنهم من قال : هو التفويض إليه في كل حال . ومنهم : من جعل التوكل بداية . والتسليم واسطة . والتفويض نهاية . قال أبو علي الدقاق : التوكل ثلاث درجات : الدرجة الأولى : التوكل ، ثم التسليم ، ثم التفويض . فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى بحكمه ، فالتوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية . فالتوكل صفة المؤمنين ، والتسليم صفة الأولياء ، والتفويض صفة الموحدين . التوكل صفة العوام ، والتسليم صفة الخواص ، والتفويض صفة خاصة الخاصة . التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم الخليل ، والتفويض صفة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وعليهم أجمعين . وهذا كله كلام الدقاق . ومعنى هذا التوكل : اعتماد على الوكيل ، وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه ، وإرادة وشائبة منازعة . فإذا سلم إليه زال عنه ذلك . ورضي بما يفعله وكيله . وحال المفوض فوق هذا . فإنه طالب مريد ممن فوض إليه . ملتمس منه أن يتولى أموره . فهو رضى واختيار . وتسليم واعتماد فالتوكل يندرج في التسليم ، وهو والتسليم يندرجان في التفويض ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . تعريف التوكل وحقيقة الأمر : أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور ، لا تتم حقيقة التوكل إلا بها ، وكلّ أشار إلى واحد من هذه الأمور ، أو اثنين أو أكثر . فأول ذلك : معرفة بالرب وصفاته : من قدرته ، وكفايته ، وقيوميته ، وانتهاء الأمور إلى علمه ، وصدورها عن مشيئته وقدرته . وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل . قال شيخنا رضي اللّه عنه : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف . ولا من القدرية النفاة القائلين : بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء . ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله . ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات .